|
تطور النشيد الهادف ونهضته في الوطن العربي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و آله وصحبه ومن والاه وبعد : إن المتتبع لمراحل تطور النشيد الهادف، والدارس لأسباب نهضته، يرى أن تطوره كان على ثلاث فترات، وكان لكل فترة سماتها, من حيث الكلمة والمنشد الذي كان ينشدها، واللحن الذي يجسدها، وحتى نكون على دراية كافية بأجواء تلك الفترات الثلاثة، كان لابد من الحديث عن طبيعة ( الكلمة والألحان والمنشد أو المغني ) في كل فترة منها.
الفترة الأولى : وهي المرحلة الابتدائية، من قبل عام 1970 الفترة الثانية : وهي المرحلة التأسيسية، من عام 1970 لغاية عام 1990 الفترة الثالثة : وهي المرحلة المتطورة من عام 1990 إلى الآن
اتسمت الفترة الأولى باقتصار النشيد على أداء المنشد للكلمة ذات المضمون الذي يعبر عن ( الغزل، المديح، الرجاء، المناجاة، المواويل، قصائد إفرادية ) يؤدي هذه الأنواع من النشيد منشد ( يعتمد على قدراته الصوتية أولا وأخيرا )، ويغلب عليه صفة الأمية، والفقر، وجهل في دين الإسلام، والتزام ضعيف به، وتتنوع الكلمة بين الفصحى، والعامية، ولم تتح لأغلب المنشدين فرصا إعلامية تشهرهم، أو تقنيات حديثة تحسن من أدائهم، لذلك انتقل أغلبهم إلى الغناء مع الآلات الموسيقية، لاعتقادهم أن الغناء الدارج في ليالي اللهو والإثم، يؤمن لهم شهرة أكثر، وحياة مادية أفضل.
أما الفترة الثانية فقد اتسمت بانقلاب كبير على الكلمة البسيطة التي كان يرددها منشدو الفترة الأولى، وذلك للثقافة التي تحلى بها منشد هذه الفترة، والتزامه بدينه، وقيامه بدور دعوي هام، كما اتسم بألحان تميزه عن الفترة الأولى، لأنها تمثل معاناة الكلمة وأبعادها، وبأداء جميل يجسدها كذلك، وكما اتسم أيضا بالتواجد في كل المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية التي ُدعي إليها. وعندما تبنى النشيد الهادف نخبة من دعاة المسلمين، كان لهم دور كبير في دعم النشيد الهادف و دعم انتشاره، ومحبة الشباب المسلم له. كما اتسمت هذه الفترة بالتزام النشيد بالمنهج الذي اتفق عليه أغلب دعاة الإسلام على اختلاف مدارسهم، هذا المنهج كان له أثر واضح في جمع الكلمة، ووحدة الصف ، لذلك فقد أسهموا جميعهم في دعم النشيد الهادف، فكانوا أهم وسيلة إعلامية ساعدت على انتشاره، حيث أنه في حينها لم يتح له ظهور على القنوات الفضائية.
وأخيرا الفترة الثالثة فقد اجتمعت فيها كل مقومات نجاح النشيد الهادف، وتطوره، وشهرته، ودعوته لله، ولم يزل على منبر من منابر الدعوة من يوم أن بدأ عام ( 1970) إلى اليوم، والشواهد على هذا كثيرة جدا. كما أن المنشدين في هذه الفترة، تنافسوا في أداء دورهم الدعوي، وتباينوا في تألقهم، و تمايزوا في ريادتهم لأداء هذا الدور الدعوي الكبير، لكنهم انضبطوا جميعا بمقومات النشيد الهادف، ولم يتساهل في ذلك إلا قليل منهم، لاعتقادهم بأن النشيد الهادف، هو الكلمة والكلمة فقط، وأن كل ما يصاحبها من مقومات أخرى ( الأداء الجميل، اللحن الرائع، المؤثرات الصوتية في مراكز التسجيل الحديث، الكورال الآلي – نظام التركات – التقنيات الحديثة ) ليس لها من دور إلا إظهار الكلمة بأبهى صورة وأبلغ تأثير، ثم إن ممن تساهل منهم، لم يكتب له القبول في أوساط الشباب الملتزم، ( الذي تربى على أصالة النشيد الهادف )، وبالتالي فقد تكونت لهم ( لكونهم استندوا إلى فتوى تبيح ذلك ) طبقة من الشباب الجدد تسمع لهم، وتشجعهم، وأملي بهؤلاء الأخوة أن يلتزموا بالكلمة الهادفة شكلا وموضوعا، وألا يتساهلوا في ذلك أبدا، لأننا أمة تتميز عن سواها في كلمتها الهادفة.
وإن كان من ملحوظة (تعد من سلبيات هذه الفترة )، فهي أن المنشد في هذه الفترة لم يعتمد على قدراته الصوتية الممتازة والممتازة فقط، كعنصر أساسي لقبوله بين المنشدين، ( كما كان في الفترة الأولى )، بل اكتفى بقدراته المقبولة ليتألق بين المنشدين، وذلك لاستخدامه التقنية الحديثة التي تعوض هذا النقص الذي في قدراته. وأصبح للتقنيات الحديثة اليوم أربابها الذين يحسنون التعامل معها. وأهم نقلة نوعية كانت للنشيد الهادف، هي أن الإعلام المرئي والمسموع تبنى البث لإصدارات المنشدين السمعية والمرئية في أرجاء الوطن العربي والإسلامي، بل تألق في رقيه إلى العالمية عندما ارتقى إلى عالم الأنشودة المصورة (فيديو كليب )، والتي تدرجت في تطورها وبشكل سريع لتنافس الأغنية الماجنة المصورة، وأصبح لها جمهور يتابعها بشغف، ثم إن هذه النقلة النوعية كانت عاملا مهما في استقطاب نجوم من المغنين إلى الإعلام الهادف، واستقطاب من يسمع لأولئك النجوم، إلى الأنشودة المصورة الهادفة أيضا، خصوصا أن بعض القنوات الفضائية تبنت بث أغانيهم المصورة بشكل دائم، فكان لهم حضور كبير في بلاد العرب والمسلمين، وأصبحوا نجوما لطبقة جديدة من شباب اليوم تشكلت بعد ذلك. وعلى مقدار ما حققت هذه النقلة النوعية من إيجابية، فقد كان من سلبياتها أن انحدر بعض المنشدين ( ممن عرفوا بدعوتهم إلى الله واستقامتهم على ذلك ) إلى مستوى المغني ( الدارج ) بعد كانوا من المنشدين الهادفين، ظنا منهم أن في ذلك خير لهم، ونسوا أنهم كانوا في مرتبة عالية، يتمناها المغني الهادف.
وحتى نتعرف على الفرق بين النشيد الهادف، والغناء الهادف، والغناء الدارج، والغناء الماجن, كان لابد من تعريف كل نوع منهم.
تعريف النشيد الهادف : يتألف من كلمة هادفة، يتوجها لحن جميل، منضبطة بإيقاع ( الدف فقط أو بدونه )، يؤديها منشد هادف ملتزم بالكلمة التي ينشدها (تطبيقا ).
تعريف الغناء الهادف : كلمة هادفة، يتوجها لحن جميل، منضبطة بإيقاع، ويرافقها آلات موسيقية، يؤديها مغن هادف إذا التزم بالكلمة التي يغنيها، أو مغني غير هادف إذا لم يلتزم بها.
أما عندما يخلو الغناء من الكلمة الهادفة، يصبح غناء دارجا، فإن تدنت كلمته إلى الأسفل كان غناء ماجنا ( وهو المتفق على رفضه )، ومغنيه هو مغني ماجن.
تعريف الغناء الدارج : كلمة في إطار المباح، يتوجها لحن جميل، منضبطة بإيقاع، ويرافقها آلات موسيقية، يؤديها مغن غير هادف وغير ملتزم غالبا.
تعريف الغناء الماجن : كلمة خرجت عن إطار المباح، يتوجها لحن هابط، منضبطة بإيقاع، ويرافقها آلات موسيقية، يؤديها مغن غير ملتزم أبدا، وهو مغن ماجن.
فالقاسم المشترك بين النشيد الهادف والغناء الهادف هو الكلمة، ونحترم الغناء الهادف إذاً لالتزامه بالكلمة الهادفة، ورغم تمسكي الشديد بضوابط النشيد الهادف. فإن الذي يجمعني مع الغناء الهادف هو الكلمة الهادفة.
وبذلك نستطيع أن نميز المستمع الهادف من خلال ما يتابع من أناشيد مصورة إلى ما يلي: إذا استمع إلى (منشد هادف + كلمة هادفة) = فإنه مستمع هادف إذا استمع إلى (منشد هادف+ كلمة هادفة + دف + مؤثرات صوتية) = فإنه مستمع هادف إذا استمع إلى (مغن+ كلمة هادفة + آلات موسيقية) = فإنه مستمع هادف يبيح الموسيقى إذا استمع إلى(مغن+كلمة غير هادفة + آلات موسيقية) = فإنه مستمع غير هادف إذا استمع إلى (مغن ماجن+كلمة ماجنة+آلات موسيقية) = فإنه مستمع ماجن
أما المشاهد للأنشودة المصورة: فالأنشودة المصورة الهادفة. ......... يتابعها المستمع الملتزم والأنشودة المصورة الهادفة مع الموسيقى وظهور للمرأة المحتشمة. ........يتابعها المستمع الهادف الذي يقتنع بإباحة الموسيقى وإباحة ظهور المرأة المحتشمة. والأنشودة المصورة غير هادفة (ضمن المباح). .......... يتابعها مستمع غير هادف والأنشودة المصورة غير هادفة ( ضمن المباح) مع الموسيقى وظهور للمرأة المحتشمة. ........ يتابعها مستمع غير هادف والأنشودة المصورة الهادفة لتعليم الأطفال وتربيتهم على الأخلاق، والآداب الإسلامية... يتابعها الأطفال بتشجيع من آبائهم. أما أقسام النشيد الهادف في الفترة الثانية والثالثة فكانت : 1- دعاء ومناجاة. 2- مع المصطفى. ( المديح الذي يدفع المستمع إلى المحبة لرسول الله واتباعه ) 3- معاناة. ( الآمال : وتشمل كل ما يدفعنا للعودة إلى تطبيق إسلامنا حتى نقرن القول بالعمل ) ( الآلام : وتشمل كل المحن والإساءات التي تتعرض لها أمتنا العربية والإسلامية ) 4- مناسبات واجتماعيات. 5- الدعوة إلى الله ( رسالته العالمية التي استمدها من عالمية الإسلام ) و( التعريف بالإسلام من خلال الجوانب الإنسانية التي يدعو إليها ) 6- الترويح عن النفس.
أما الحداء فكأنه يشبه الموال الذي نؤديه بدون إيقاع، وكان الأوائل يحدون للجمال حتى تغز السير في قلب الصحراء، والله أعلم. و يؤيد هذا قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لحاديه أنجشة ( رفقا بالقوارير يا أنجشة )
من هنا يظهر الفرق بين الحداء والنشيد. الحداء : كلمة هادفة يؤديها ملتزم صوته رائع وجميل، بدون إيقاع وغالبا يكون لحنها مرتجلا. وأرى أن يختص بهذا الاسم من لا ترافقه الموسيقى في حدائه، وإلا كان موالا. النشيد : كلمة هادفة، بلحن ثابت، منضبطة بإيقاع، يؤديها صوت جميل، ملتزم.
|