|
إلى مدينة جانت وأهليها الكرام، بقلم أبي الجود
في كل مرة أتشرف بدخول صحراء الجزائر يزداد حبي لها, بل كلما تعمقت في جنوبها يزداد إعجابي بها وإكباري لها. في هذه المرة وصلت إلى أقصى جنوب الجزائر تقريبا حيث مدينة جانت وهي دائرة من دوائر ولاية إليزي. لقد أنساني مشقة السفر وعناء ساعاته الطويلة على متن الطائرة, والانتظار المتكرر من محطة إلى محطة, أنساني كل ذلك ابتسامة الأخوة الطيبين الذين التقيتهم في مطار جانت وحفاوتهم الرائعة عند لقائي, بل مدني ذلك بنشاط عجيب, فبادلتهم السلام والحب والأشواق. في كل مرة أسافر فيها إلى صحراء الجزائر أفاجئ بسكانها النبلاء الذين يغلب عليهم الفطرة السليمة, والجود والكرم الأصيلين والدين الخالص لله سبحانه وتعالى. ولكن في هذه المرة حيث نالني من التعب أقصاه ومن المشقة أشدها, فإن جرعة عادية من اللقاء الأخوي لا تكفي لتذهب التعب الذي أنا فيه, لذلك فكانت جرعة اللقاء الرائع من الأخ عبد القادر بوسماحة ومن معه من الأخوة الكرام في مطار جانت جرعة قلبية صادقة استطاعت أن تنسيني بل تدفعني إلى متابعة اللقاء بكل عزيمة ونشاط عجيبين. ما يميز جانت في نظري أنها تضم إليها شعبا ممتازا في أخلاقه, رائعا في شفافيته وصدقه, يرتقي بمشاعره الكريمة إلى مصاف المخلصين من رجالات الإسلام, ويعلو بالتزامه بدينه إلى درجة الأكابر من المسلمين الأوائل. لقد استطاع هذا الشعب الكريم بما يملك من فطرة سليمة وعقيدة رائدة لم يمسسها شيطان بسوء, أن يوفِّق بل يوازن (بين ما لابد من إنجازه وتحقيقه الآن وبين ما يمكن تأجيله إلى الغد), هذه الموازنة أكسبت جانت مرتبة عالية في أداء دورها المتألق في إدارة أي مهرجان لأي مناسبة. كما يميز جانت جانبا لم أعهده في غيرها, وهو الجانب السياحي الكبير, حيث يعتبرها المتخصصون في علم التاريخ والآثار أنها متحفا على الهواء مباشرة, ففي كل صخرة من صخورها تقرأ حكاية عن تاريخ عريق لجانت مما جذب إليها السياح من كل أصقاع أوروبا إذ لا يخلو أسبوع من أربعمائة سائح تقريبا يأتي ليستمتع في أرجائها ويطيل النظر في آثارها بحثا وتمحيصا ودراسة. وجانب اجتماعي غريب في جانت يدلك على التكافل والتراحم بين أفرادها, أنك لا تجد متسولا في شوارعها, لأن جانت صارت كلها أسرة واحدة, ولابد للأسرة من أن يعيش جميع أفرادها بأكمل صورة من الراحة والأمان. هذا التكافل الاجتماعي أعطى جانت حالة من الأمان والاطمئنان والاستقرار تظهر هذه الصفة النبيلة في تجوال أهلها في منتصف الليل وكأنهم في رابعة النهار. وشيء آخر ملفت للنظر أن نسبة الطلاق تكاد تكون معدومة في صفوف أبنائها الكرام, يدلك هذا أيضا على حالة إيجابية من الرضا عن الواقع العام في سكان جانت وأخلاقهم الفاضلة وإن كان من نصيحة لإخواني في جانت فهي أن يتنبهوا إلى خطورة غلاء المهور فإن أثره السلبي على البنات خطير جدا وأملي بهم أن يتقيدوا بما أمر الله في قرآنه وحضَّ عليه نبي الإسلام في حديثه, لتتكامل الصورة التي ثبَّتُّها في مخيلتي عن جانت ولا أحب أن أعدل في مكوناتها أبدا , لأنها صورة حقيقية للإنسان الفطري الكامل. لقد كان للأخ صادق رشيد - أبو البراء - دور كبير في تكوين الصورة الثقافية عن جانت, إذ أنه بجانب كونه من رجال الأعمال المتميزين, يجمع حصيلة ثقافية جيدة, فلا يخلو حديثه من استشهاد قول لعالم سمعه من قناة أو إذاعة أو قرأه في كتاب, فكم كان يكرر أقوالا للدكتور النابلسي, وغيره من العلماء الأفاضل كما كان لقائي بالسيد رئيس دائرة جانت - بن قويدر عبد الكريم - محل إعجاب وتقدير له فلقد أدهشني بذاكرته العجيبة حيث أنه يعرف عني الكثير من خلال مطالعته لموقعي - أبو الجود - بارك الله فيه ثم بالأخ المبجل العقيد - بن حليمة عبدالواحد - وصديقه الطيار ويعذرني إذ نسيت اسمه فلقد كانا كلاهما صورة العسكري المتألق. أما الشاعر الضيف مصطفى ليمام من أهالي ورقلة فلقد كتب في هذه المناسبة
جُمل البلاغة ليس تكفيني ولا كلُّ الحروف ولــو أتت بنظام أواه ما لاح الجمــال لناظري إلا استفـــــزَّ مكامني وهيامي نسْجُ المشــاعر جُفِّفت كلماته هيهــات نسجُ مشاعري بكلام تبقى مودَّتنا كطود شــــــامخ عربونها دمعي وحبٌّ ســـامي
بارك الله في شاعرنا وبارك الله في عبد القادر الحبيب وصادق المثقف وكل من التقيت في جانت خصوصا المنشدين المبدعين الذين كان لهم الفضل في أداء رسالتي عبر الأناشيد الجميلة. أسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه نجاحنا وفلاحنا ورقينا إنه سميع مجيب
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الأحد 20122009
أبو الجود
|