|
جريدة الجماهير العدد 12056 تاريخ 22 أذار 2006م
رحلة قصيرة مع الشاعر المنشد الحلبي محمد منذر سرميني
بقلم الأستاذ حسام الدين الدويدري
لابد لنا ونحن نحتفل بحلب عاصمة الثقافة الإسلامية من أن نذكر فن الإنشاد الديني بألحانه وكلماته السامية ، ذلك الفن الراقي الذي ساهم الكم الجيد منه في ترسيخ ثقافة قيمية وتربوية إلى حد لا يمكن معه تجاهله وقد عرف في حلب على نطاق واسع مثلها في ذلك مثل غيرها من المدن الإسلامية ، خاصة في المناسبات الدينية إضافة إلى المناسبات الاجتماعية المختلفة ، وقد عرفت حلب عدداً من المنشدين الذين ملأت أصواتهم آفاق حلب بل جاوزتها وأبدعت في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفي إبراز أخلاقه والأخلاق السامية التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، وحينما يذكر فن الإنشاد وواقعه المعاصر لابد من أن يصدح في ذاكرتنا صوت المنشد الشاعر " محمد منذر سرميني " الذي قدم ومازال يقدم لهذا الفن جهد المخلص طالبا ثواب الله تعالى ، فأنشد بصوته وبألحانه من شعره ومن شعر غيره السابقين والمعاصرين ، فعرفه جمهوره في بقاع العالم الإسلامي باسم " أبي الجود".
ويعتبر فن الإنشاد الديني بشعره ولحنه أحد الفنون الراقية التي أنتجتها الحضارة الإسلامية في مساحة " اللهو المباح " التي أقرها الشرع الإسلامي غذاء للنفس ، وقد وصل إلينا من خزائن التراث منه حصاد وفير سواء من الشعر الصوفي والمتفكر في الكون أم من شعر الإنشاد بما له من مميزات غنائية والشاعر المنشد " محمد منذر سرميني " علم من أعلام الدين الإسلامي في حلب ، بل تجاوزت شهرته حدود الوطن العربي فقد أحيا حفلات عديدة في بلاد الله الواسعة مثل " استراليا ، تركيا ..." ولد في حلب وتلقى علومه فيها ، فتخرج في كلية الهندسة المدنية في حلب ، ثم دخل معترك الحياة العملية لكن ذلك لم يصرفه عن رسالته التي نذر نفسه لها بملء إيمانه وخالص حبه ، وقد وهب جل وقته للإنشاد الديني تأليفا ولحنا وأداء ، متنقلا بين البلاد ، حتى استقطب جمهوراً واسعاً تجاوز حدوده الوطن العربي ليشمل العالم الإسلامي الذي عرفه بكنيته " أبي الجود " التي اشتهر بها .
صدرت له مجموعتان شعريتان في " دار الحافظ " في دمشق جـــــــــاءتا في تجليد فني لائق وطباعة راقية أنيقة من القطع العادي المتوسط ( 17*24 سم ) في حين يتم التحضير لطباعة مجموعته الثالثة. وعلى الرغم من تقارب أسلوب سبك النظم عند " أبي الجود " من روح مـــــــــا نظم في صدر الإسلام والعصر الأموي ، إلا أن الزائر لرحاب عالمه الشعري يلاحظ حـــــــرصه على " عصرنة " خطابه ومواءمته روح العصر الراهن ، وأحداثه ومتطلباته الفكرية والروحيــــــة ن فلم يكن خطابه الديني تقليديا بالمعنى الحرفي ولا متشدداَ أو موغلا في مجاهل الفلسفة ، بل جاء ليناً هادئا هادفا . كما لم يغب عنه ارتباط العضوية بالوطن وبالإنسان ..وقد اعتمد في تـــــرتيب مجموعته منهجاً واحداً ، فالتزم بقسمة كل مجموعة إلى أربعة أقسام بحسب مواضيعها العتـتامة : دعاء ومناجاة - مع المصطفى ، معاناة - شعر ومناسبة .
والإنشاد عند أبي الجود ليس مجرد لهو ومتعة ، بل هو إبداع هادف إلى تثقيف النفس الإنسانية وتهذيبها وهذا ما أشار إليه صراحة في الأبيات التي افتتح بها مجموعته "سلوا أيامي " ليثير في نفوس المتواصلين معه محاكمة عقلية منطقية جريئة تسعى إلى الإحاطة بجدوى الفن ودوره في بناء الإنسان الواعي المتوازن :
يا من في بحثك تسـألني عن دور الفن وما يغني
هل دور الفن حقيقتـــــــه ثمـــــــــرات أنتجها فني أم لهو عم و ســــــــــائلنا لا يغني شيئاً في ظني
فهو يدعو إلى فن ملتزم هادف يترفع عن مساحة اللهو المرمد الضائع المضيع ، ليرقى بمبدعه وبمتلقيه إلى آفاق اللهو المباح الغنية بالعلم المتاح ، والتي تثري النفس بما تبعثه فيها من الانشراح والاطمئنان الذي تأنس به وتسكن إليه .
كلماتي بستان يعطي ثمراً يستصرخ من يجني
ويلاحظ القارئ منذ الوهلة الأولى أن تلك القصائد قــــد نظمت مخصصة لفن " الإنشاد الديني " ولهذا كان من السهل أن نلمس وضوح الخطاب وعقلانيته ، وكذلك فإن غنائية الجرس وسلاسة المغنى قد شكلا خيطاً مجدولا رابطاً بين كل القصائــــــد ن وكان المعنى رافداً مهماً اعتمد عليه في إغناء النظم ، وهذا أشار إليه بالتصريح في مقدمة ديوانه الأول " سلوا أيامي " إذ قال : فكانت الحكمة رائداً لي في كل كتاباتي بعد استعانتي بالله واستلهامي موارد الخير والنور من القرآن العظيم وحديث الرسول الكريم وسيرة الصحابة الكــــرام رضي الله عنهم أجمعين .. وكان دوري في ذلك صياغة المعنى الذي فهمته من آية أو حـــديث في قصيدة أو نشيدة مدرجة في هذا العمل , ولعل خير مثال على ذلك ما جاء في قصيدة " هداني الله " :
هداني الله نجــــدين سبيل الخير والشر
وإنك لتلاحظ أن غنائية النظم غالبا ما تغري الشاعر باللجوء إلى تنويع " الروي " في القصيدة
الواحدة، حيث يجعل لكل مقطع قافية:
لزمت الباب أطـــــرقه لعلي فيه أن الجــا بذل دونمــــــــــا ملل وقلبي يأمل الفرجا فحاشـــا من أتى إلا ينال من الكريم رجا
إذا سبقت من الرحـــمن للإنســــان مكرمة ترى التوفيق يغمـره ولا تعـــــروه ناغصة لأن الله رحمتــــــــه لهذا العبد شــاملة
ومثالا على التعويل الغنائي على الجرس قوله في قصيدة يائية ممدودة استعاض في بعض أبياتها عن المد بتاء مربوطة أوقفها بالسكون :
مضى عمري وميلي للمعاصي حثيثاً في لم يفتأ قـــــــويا كأني في ضمــــان من وفاتي وأمن من مداهمـــة البلية أأهدر قوتي في كل ســــــــوء وأنسى أنني ســأصير عيا ؟!
وكذلك فإنك تجده يعمد إلى لزوم " الهمزة " في تصريع أبيات قصيدة " في سويعات " لتلازم القافية في الشطر والعجز :
في سويعات الرجاء بت أدعو في بكــــــاء تالياً أي الثنــــــــــاء للذي رفع الســــــماء
ويتضح لنا من الأمثلة السابقة بشك جلي حرص شديد على سرعة الإيقاع وتناغم التفعيلات بشكل يؤدي القصد ويخدم الهدف :
إلهي أنت لي حصنٌ إذا ما قلت : يــــا الله إلهي أنت لي أمنٌ إذا ما قـــلت : يا غوثاه
وإنك لترى الشاعر يبتعد عن الغوص في الصور الأدبية والتخيل الفني إدراكا منه لضرورة سلوك البساطة والوضوح في خطابه الموجه إلى الشريحة الأوسع من الجمهور بما في ذلك أقل شريحة تواصلا مع الفنون الأدبية هذا ما زاده حرصاً على استحضار المعاني واضحة القادرة على التفاعل مع النفس :
رباه إني مــــــــذنب فمتى إليـــــك أتوب كم مرة فيها عـــــزمــــــت بتـــــــوبة وأخيب
وإذا كان الخطاب كثيراً ما يتجه إلى المتلقي مباشرة فإنه لابد من أن يحاوره النفس فيراجعها كشأن كل من التجأ إلى الله ، وكما نهج المتصوفة عبر العصور :
نفس تــــــوبي، أن ألا تذنبي نفس عودي, وانهجي نهج النبي كم عزمت التــــــــوب في المــــــــاضي ولم تثبتي بل زدتني باللعب
وكم يكون المرء صادقاً مع نفسه في لحظات التجلي والخشوع ، لكن أول ما يحتاج كيانه تذكره لما اقترفت يداه وهو في خضم الحياة اللاهثة ، لتفيض عيناه بالدموع كلما "ذكر الله خالياً" متفكراً خجلاً من إسرافه وتقصيره طامعاً في توبة يغفر بها الله ذنوبه قبل فوات الأوان :
أبكي لأني ما بكيت ذنـــوبي أبكي وشمسي أذنت بغروب أبكي لأني ما التزمت بطاعة أبكي لأني ما عــرفت عيوبي
ولعل في هذا الموقف تذكير بأن مبدأ " محاسبة الذات " هو المبدأ الرئيس الذي اعتمدت عليه الشريعة الإسلامية في بناء مجتمع سليم متماسك يتمتع بإدارة اجتماعية متكافلة تعتمد التقوى أساسا لترسيخ " الأمن الاجتماعي " عبر النظام من التراحم والإخلاص .
وتتسع المعاني " والأغراض الشعرية " التي دأب " أبو الجود " على طــــريقها داعياً إلى مكارم الأخلاق وإلى الالتزام بما جاء من هدي الدين الحنيف الذي يدعو إلى العلم والبر والإحسان وبر الوالدين وصلة الرحم والحرص على التآخي والترابط بين أفــــــــــــراد المجتمع ، وفي ذلك صلة الإنسان بربه والإخلاص في حبه وخضوعه له كي يحبه الله ، ومن أحبــه الله عصمه من الخطل والفساد وجعله خيراً لخلقه :
فإذا أحب الله عبـــــــــــداً مدّه بمداده ليذُرَّ في الأكوان حباً
ذلك لأن المسلم محسن يحب الإحسان فيعبده الله كأنه يراه ، ولهذا فإنه محب لله ولخلقه ويعلم أن الدنيا دار شقاء وأن الآخرة دار البقاء ، فلا تأسره الدنيا بسحرها إغوائها ، لأنه خارج تأثير ذلك الإغواء ، ولأن فهم حقيقة الحياة الدنيا يكون وفقاً لمعادلة بسيطة تحمل سر التوازن :
دنياي أنت من الدنـــــــــــــو غريزة وكرمة ومن الدناءة أنت الدنيا الــــــــــزوال حقيرة عاهدت ربي أن أعيش وأنت بعـــــد بعيدة هيهات ... لا تغرينني فالناس فيك زهيدة
فإذا كان الحب مداد الحياة فإن الأولى بالمؤمن من أن يخص بالحب المخلص النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو لا يفتأ يترنم بحبه معبراً عن شوقه إلى زيادة روضته :
متى في حي من أهوى أغني فيــــــــــــــه آهاتي وأعــــــــــــدو في جوانبه أردد بعض أبيــــــــــــــاتي
لقد تجذّر حب النبي صلى الله عليه وسلم في قلب الشاعر وكبر فبدأ معه عاشقاً ، ومن روائع ما كتب "يائيته" التي يشعر قارئها مع ما يمر به من صور وتراكيب بنكهة الماضي وكأنه أمام غزلية من الشعر العذري الرفيع السامي :
أيها الحادي بقلبي نحـــو طي عزز الســــــــير لذياك الحمي واتئد في السير عند المنحنى فبقـــــــــرب المنحنى آل لؤي وبذاك الطرف عرج ســـــــــائلاً عن عُريب طــــــال لقياه علي
فهو يبدو بين أبياته متلهفاً إلى كل ما يحصل بديار الحبيب حانياً على أهله حريصاً على التلطف في ذكره وخطابه :
وتـــرقب هداة الليل عسى من أهيل الحي طيف أو ظبي فإذا مــا الليل أهدى ستره ســــائل الركبان حيا بعد حي
إنه الحب السامي المنزه عن الغرائز من فؤاد شاعر تصغر الدنيا بأهوائها في عينيه وهو يتطلع إلى جنة الخلود في صحبة الحبيب المصطفى :
كل أهواء الدنا لــــــــــــو جمعت لا تساوي في يقيني أي شيء من تسامى في هوى المـــــــــــــــحبوب لا يثنه في حبه أي شي
ليس في الدنيــــــا جمال نوره فاق حسناً مثل جـــــدَّ الحسني
والمؤمن لابد أن يدرك أن السعادة لا تكون إلا باتباع الرسول الهادي ، فالسعادة قوامها العمل الصالح الذي يريح الضمير ويجمع القلوب على التقوى و حب الناس والحرص على وحدتهم وتآلفهم ليكونوا سوراً في وجه العدو الذي يريد أن يمزق الأمة ويهدم تاريخها والتي نعتز بها ، ولهذا فإن علينا أن نكون أكثر وعياً لهذه الحضارة ولذكرى أمجادها والسير على هدي قيمها ، وفي مقدمة ذلك ذكرى ميلاد النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ، لكي لا يكون الاحتفال بمولده مجرد عادة أو أن يكون نشيداً نتغنى به ، بل عهداً على استمرار بناء الصرح الحضاري بالعمل الصالح المخلص انطلاقاً من سداد العزيمة وحسن الخلق ورقابة الذات المحاسبة للنفس المقومة للمسار :
هيئ لميلاد الرسول فؤادك المشغولا هيئه للذكرى وحـــــاذر ان تكون جهولا والزم محاسبة لنفسك كي تنال قبولا في مولد تصفــــــــو به وأراك فيه نبيلا
وللشاعر " أبي الجود " غزل صوفي رقيق رصين ، يكاد في تراكيبه، وفي ألفاظه يتواصل - كما سبق ذكره - مع روح العصر الأموي في عذريته ومع روح الأندلس في عذوبة جرسه ، حتى أنك لتشعر وأنت في رحاب القصيدة انه يبث غرامه محبوبة من غير بني البشر ، لكنه يحبها رغم صدودها فيعاند عاذله ويبادله لوماً بلوم- فلننصت إلى ما قاله فيما اخترت من قصيدته المثبتة في ديوان "سلوا أيامي":
يمضي الزمان ومهجتي لم تشتف من وصل ليلى، ليتها يـوماً تفي أحسنت ظني عــــل ليلى تكتفي من صدها وتــــريح قلبي المدنف لكنها ضنت عــــــــــــــــلي بوصلها حتى برد تحيتي بتلــــــــــــــطف هذا عذولي في هــــــــواك مؤنبي ومقرحي ومجـــــرحي ومعنفي كم من وعود في هــــــواها سيما أنت القتيل بحســـــن قد أهيف لم تول وعداً عطــــــــــفها وحنانها ووصالها مع أنك الخــــــل الوفي فإلام هذا الحــــــــال ، فاترك حبها ودع الغرام بحـــــق أي المصحف جاوبته والقلب تســــــــــــعر ناره: خل الكلام فلست أنت بمنصفي لو ذقت يوماً وصلــــــــــها وودادها وبدا لعينيك الجمــــال اليوسفي ما لمتني في حبهــــــا ونصحتني ألا أمل لذيذ ذكـــــــــــــراها بفي لكن عذرتك لا لأنك عــــــــــــــاذل لكن لأنك جاهــــــــــــل لم تعرف فهي الحبيبة لســت أبغي غيرها وبغير حسن جمــــالها لا أشتفي
ويقول في قصيدة أخرى :
طال انتظاري يـــا حبيب وأنت لا تولي وصــــالك بل تصد وتهجر مازلت أرجو نيل وصــــلك صادقاً علي بوعــــــــد منك يوماً اظفر عامل بما تهوى تجدني عاشقاً واحكم بمــــا ترضى فأنت الأمر
ومن الغزل الصوفي قوله :
يا مالــــــــكاً قلبي ترفق بالتي حسبي فإني في هواك أسير أرضى برقي كي أنادى عبدكم والعبد في عرف الكـــــرام أمير لا تغلقن باباً ارجي فتحـــــــــه جواداً وحسن الظن فيك كبيـــر أبـــواب فضلك إن فتحت كثيرة والناس فيها داخلـــــــــون كثير لكن باباً في الجنـــان مخصص للأوليا من وصفهم مستــــــــور
ولعل الدارس المتتبع لأغراض التي حفل بها شعر أبي الجود يدرك مدى تفاعله مع الوجود بكل إنسانيته دون أن يبتعد عن هموم وطنه ومجتمعه ، فهو لم ينس كل ماله بالعمل الصـــــــــــالح والحض على مكارم الأخلاق كما كان للوطن وقضاياه حظ وافر في شعـــــــره الثر الذي لا يمكن الإحاطة به في عجالة.
محمد منذر سرميني منشداً: عرف الشاعر المنشد محمد منذر سرميني بصوته القوي القادر ولحنه الشجي الزاخـــــر الذي يوغل في القلوب ، إذ يرى في الإنشاد رفعة ومتعة وحسن صنعة ، لمــــــــا فيه من علم يغني العقل وعبق قدسي يزكي النفس وهذا ما ولج في صدره متمكنا من قناعته وفي ذلك يقول :
نشيدي لحنه أضحى لهذا الكون كالشمـــس ينير بهـــــــــديه عقلاً كمن في حضرة الدرس ويغري لحنــــــــه قلباً فيفهم بعده القدســي مراميه بجملتهـــــــــا يزكي نورهــــــا نفسي
إن الغناء فن رقيق يخالج القلوب ، ولهذا فإنه يحب أن ينزه عن إفراغه من محتواه الهادف الذي يجعله مجرد ضربات رتيبة لأقدام السكارى :
أغار على الغناء إذا تهــاوى في المجون
أغار إذا تغنى للســــــــــكارى في جنـــــــون
وقد وجد "أبو الجود " في شعر الإنشاد منبراً قادراً على طرح ما يصعب إيصاله إلى المتلقي في خمائل الشعر المقروء لأن الإنشاد أقرب إلى نفس العوام الذين هم إلى البساطة والرقة أميل ، فكان الإنشاد أكثر قدرة على طرح ما هو قريب إلى النفوس التي ما تنفك تسعى إلى مكارم الأخلاق وفي مقدمة ذلك ما يحرص على تماسك الأسرة وترابط المجتمع .
وهو لم يقتصر في إنشاده على شعره بل كان كثيراً ما تحركه الكلمة الطيبة التي يصادفهما لتحفزه على الاستئذان من كاتبها في إسعافها بأجنحة اللحن العذب الشجي ليكسبها طاقة تطوف بها الآفاق ، بل ربما أدخل عليها بعض التعديلات التي يراها ضرورية أو استأذن صاحبها في الإضافة إليها أو الاجتزاء منها .
وقد وجدت ما نشرته دار السلام للطباعة والنشر بالقاهرة عام 1978 م كتابا ضم مجموعة من الأناشيد التي شدا بها " أبو الجود " كتبها وجمعها وقدم لها كل من سليم عبد القادر و أبو الجود، حيث وجدت أنه أنشد الكثير من القصائد لشعراء آخرين إضافة لما كتب بقلمه ، ومنهم على سبيل المثال : " محمد إقبال- سليم عبد القادر- عمر بهاء الدين الأميري - وليد الأعظمي - الحسن بن هاني - يوسف العظم- عبد الله سلامة - حسين عرب - نذير مكتبي - أحمد منلا غزيل..." ،كما أنشد لكاتب هذا البحث عدداً من القصائد : " لا تساوم- صحوة الطير - المسافر- هواجس اللهب ... نالت منها قصيدة "مكاشفات" التي عرفت بأول كلمة في مطالعها " علمتني " الحظوة والاستحسان لدى سامعيها فكانت أشهرها".
لست أزعم أنني قد أحطت علماً بنتاج هذا المبدع في هذه العجالة حسبي أنني قــــــد وجهت بقعة الضوء المؤرخة لتحاول رصد جانب من مسار جهد مخلص مبدع سعى جاهـــداً إلى تفعيل وتثمير إبداعه فكان له حضوره في أدبنا المعاصر . |