|
جريدة الهلال العدد 1435 الأحد 8 أوت، 2004م. جمادى الثاني، 1425هـ
مهرجان سكيكدة للأنشودة والمديح : الإنشاد بين واقع الأغنية الهابطة والرسالة الدعوية :
واقع الأنشودة في العالم العربي والغربي ككل ،كان موضوع الندوة الفكرية التحضيرية لمهرجان سكيكدة والمديح ، فلما كان الإنشاد وسيلة تربية لتحقيق غاية نبيلة في المجتمع ، كان أول نشيد صدع في أرجاء المعمورة الأذان بصوت بلال بن رباح ، ثم تطور الإنشاد في سياق الهدف المنشود لإعداد مجتمع إسلامي راسخ ، فعلاً شأنه كلمة لحناً وأداء ، وفي القرون الأخيرة شهد الإنشاد والطرب والغناء تدهوراً فظيعاً من حيث الكلمة ، فنحرف عن أداء الرسالة المنطوقة به ، فأصبح المغنون يغنون من أجل الطرب والغزل والمجون إلى غاية بداية القرن الماضي .
فكان لابد من نهضة في هذا الميدان ، جاءت في مقدمتها أناشيد أبو الجود ، أبو دجانة ، لتضع البصمات الأولى لترقية الفن ، من مستوى أخلاقي متردي ومتدني إلى مستوى أخلاقي ورسالي مقبول ، لكن دون هذا الهدف عقبات وعوائق ، فهل وصلت الأنشودة إلى الغاية المنشودة وهي تبلغ الرسالة ؟ أم هذا الهدف مازال بعيداً ، وما هي العقبات التي حالت دون ذلك ؟
نعلم يقينا أن الله فطر الإنسان على حب الغناء والتغني ، من أجل ذلك جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم توصي المسلمين بالتغني بالقرآن حين ترتيله ( من لم يتغن بالقرآن فليس منا ) لما في ذلك من أثر طيب في النفس المؤمنة ، فتجعل المؤمن يرتقي روحياً إلى درجات الكمال البشري .
وقيمة أي شيء تكمن في الدور الذي يؤديه في المجتمع ، وقيمة الإنشاد التربوية والثقافية والاجتماعية لا تقل عن دور كتاب أو خطبة جمعة وغيرها ، من ترسيخ للمعاني النبيلة في النفوس وتحويل الإنسان إلى عنصر إيجابي ومعايشة آلام الأمة . يقول أحد المنتقدين للأنشودة الإسلامية أن معظم ألحان الأناشيد الحالية ضعيفة وميتة ، والأذان تمل سماعها من المرة الأولى ، وكم من أناشيد سمعناها لم أطق سماعها مرة ثانية ، لأن هؤلاء المنشدين يعانون معاناة شديدة من عدم وجود ملحنين في مستوى أبو الجود ، أبو دجانة ، أبو راتب ، ويقول أبو راتب : بدأ النشيد الإسلامي يترك بصمة في عالم الفن ، وبشكل عام ، وأصبح له جمهور ورواد وأصبح له مهرجانات وتسجيلات ، على رأي المنشد الإسلامي العالمي أبو الجود محمد منذر سرميني فإن الإنشاد لحد الساعة مازال عبارة عن عمل فردي يقوم على مواهب متفرقة ، رغم انتشاره الكبير بين المسلمين عبر العالم ، ولكن هناك مشكل ثقافي بالنسبة للمنشد يتمثل في افتقاره لعلم الموسيقى ، وقصور الإنشاد على المديح النبوي والجنة والنار .
لهذا الكم الهائل من الأناشيد التي تفتقر في أغلبها إلى الأركان الأساسية 0 الكلمة ، اللحن ، الأداء ن والإخراج ) ساعد في تقليص انتشار الأنشودة الهادفة ، ويقول أبو راتب المنشد المعروف ( الطموحات كبيرة لأن النشيد الإسلامي بديلاً عن الفنون الأخرى لأن الإنشاد يدخل في مجال التربية لأبناء الأمة ) . وفي سؤال للأستاذ نوبلي فاضل وقد عايش فعاليات مهرجان سكيكدة الأول للأنشودة والمديح حول كيفية تحسين أداء الأنشودة ، يجيب على ذلك أن قيمة الألحان من قيمة مجتمع معين ، والموسيقى هي متعة وعلم ومعرفة ، وهي أداة لبعث القيم الإنسانية ، والأنشودة للمبتدئ معرضة للنقائص والخطأ ، وهذا الأمر طبيعي يمكن تجاوزه باستعمال وسائل التطوير والتمارين الصوتية ، ويبقى القول أن النهوض بالأنشودة كرسالة الإعلام الرسمية وحتى الخاصة بنشر هذا الفن الراقي ، واعتماد القوالب الفنية ( الهرم المقلوب ) كما أن الأنشودة تحتاج إلى إستراتيجية في الوقت ، التركيز ، الصبر ، والمنافسة ، الارتباط ، والاقتران من أجل إيصالها للرأي العام .
وعلى توقيت قاعة (عيسات ايدير ) وعلى وقع الأنشودة الدينية بمدينة سكيكدة انطلقت فعاليات المهرجان الثاني للأنشودة والمديح في غضون الأسبوع المنصرم تحت شعار ( من أجل فن أصيل وواعد ) ، انطلاقاً بكلمة ( أحبكم ) التي افتتح بها المنشد العالمي أبو الجود هذا المهرجان هذا القادم من حلب يحمل سنوات الإنشاد بباعه الطويل مروراً إلى المنشد غسان أبو خضرة القادم من الأردن صوت يطرب الأسماع ويدغدغ المشاعر ، دون أن ننسى الفرق المشاركة من كل حدب وصوب .
يبقى القول أن الفن ليس حكراً على الرذيلة والمجون ، وإن الفن من متطلبات ديننا الحنيف ، حتى وصل بنا الزمان أن أصبح سفراء الأمة الإسلامية يتغنون بمعاني ليست من ديننا ، ويقولون كلاماً لا صلة له بحضارتنا في غياب شبه تام لمن أكرمه الله بقدرات فنية ، والفن لا يصبح فنا إلا إذا بني على كلمات أصيلة وعمل عليه أهل الدين ليصبح رسالة الأمة ، فن له صلة بحضارة الشعب ، لهذا نقول على دجال الدين الفن أن يتدينوا.
|